فخر الدين الرازي

11

تفسير الرازي

وضع الاسم لبعض السور دون البعض . على أن القول الحق : أنه تعالى يفعل ما يشاء ، فهذا منتهى الكلام في نصرة هذه الطريقة . واعلم أن بعد هذا المذهب الذي نصرناه بالأقوال التي حكيناها قول قطرب : من أن المشركين قال بعضهم لبعض : " لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه " فكان إذا تكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم في أول هذه السورة بهذه الألفاظ ما فهموا منها شيئاً ، والإنسان حريص على ما منع ، فكانوا يصغون إلى القرآن ويتفكرون ويتدبرون في مقاطعه ومطالعه ؛ رجاء أنه ربما جاء كلام يفسر ذلك المبهم ، ويوضح ذلك المشكل . فصار ذلك وسيلة إلى أن يصيروا مستمعين للقرآن ومتدبرين في مطالعه ومقاطعه . والذي يؤكد هذا المذهب أمران : أحدهما : أن هذه الحروف ما جاءت إلا في أوائل السور ، وذلك يوهم أن الغرض ما ذكرنا والثاني : أن العلماء قالوا : أن الحكمة في إنزال المتشابهات هي أن المعلل لما علم اشتمال القرآن على المتشابهات فإنه يتأمل القرآن ويجتهد في التفكر فيه على رجاء أنه ربما وجد شيئاً يقوي قوله وينصر مذهبه ، فيصير ذلك سبباً لوقوفه على المحكمات المخلصة له عن الضلالات ، فإذا جاز إنزال المتشابهات التي توهم الضلالات لمثل هذا الغرض فلأن يجوز إنزال هذه الحروف التي لا توهم شيئاً من الخطأ والضلال لمثل هذا الغرض كان أولى . أقصى ما في الباب أن يقال : لو جاز ذلك فليجز أن يتكلم بالزنجية مع العربي . وأن يتكلم بالهذيان لهذا الغرض ، وأيضاً فهذا يقدح في كون القرآن هدى وبياناً ، لكنا نقول : لم لا يجوز أن يقال : إن الله تعالى إذا تكلم بالزنجية مع العربي - وكان ذلك متضمناً لمثل هذه المصلحة - فإن ذلك يكون جائزاً ؟ وتحقيقه أن الكلام فعل من الأفعال ، والداعي إليه قد يكون هو الإفادة ، وقد يكون غيرها ، قوله : " أنه يكون هذياناً " قلنا : إن عنيت بالهذيان الفعل الخالي عن المصلحة بالكلية فليس الأمر كذلك ، وإن عنيت به الألفاظ الخالية عن الإفادة فلم قلت أن ذلك يقدح في الحكمة إذا كان فيها وجوه أخر من المصلحة سوى هذا الوجه ؟ وأما وصف القرآن بكونه هدى وبياناً فذلك لا ينافي ما قلناه ؛ لأنه إذا كان الغرض ما ذكرناه كان استماعها من أعظم وجوه البيان والهدى والله أعلم . القول بأنها أسماء السور : فروع على القول بأنها أسماء السور : الأول : هذه الأسماء على ضربين : أحدهما : يتأتى فيه الإعراب ، وهو أما أن يكون اسماً مفرداً " كصاد ، وقاف ، ونون " أو أسماء عدة مجموعها على زنة مفرد كحم ، وطس ويس ؛ فإنها موازنة لقابيل وهابيل ، وأما طسم فهو وإن كان مركباً من ثلاثة أسماء فهو كدر أبجرد ، وهو من باب ما لا ينصرف ، لاجتماع سببين فيها وهما العلمية والتأنيث . والثاني : ما لا يتأتى فيه الإعراب ، نحو كهيعص ، والمر ، إذا عرفت هذا فنقول : أما المفردة ففيها قراءتان : إحداهما : قراءة من قرأ صاد وقاف ونون بالفتح ، وهذه الحركة يحتمل أن تكون هي النصب بفعل مضمر نحو : أذكر ، وإنما لم يصحبه التنوين لامتناع الصرف كما تقدم بيانه وأجاز